أبو نصر الفارابي

78

كتاب السياسة المدنية

الإرادة وأنواعها فإن الإرادة « 1 » إنما هي أولا شوق عن إحساس ، والشوق يكون بالجزء النزوعي والإحساس بالجزء الحاس . ثم أن يحصل بعد ذلك الجزء المتخيل من النفس والشوق التابع له فتحصل إرادة ثانية بعد الأولى . فإن هذه الإرادة هي شوق عن تخيل . فمن بعد أن يحصل هذان يمكن أن تحصل المعارف الأول التي تحصل من العقل الفعال في الجزء الناطق . فيحدث حينئذ في الإنسان نوع من الإرادة ثالث وهو الشوق عن نطق ، وهذا هو المخصوص باسم الاختيار . وهذا هو الذي يكون في الإنسان خاصة دون سائر الحيوان . وبهذا يقدر الإنسان أن يفعل المحمود والمذموم والجميل والقبيح ولأجل هذا يكون الثواب والعقاب . وأما الإرادتان الأوليان فإنهما قد يكونان في الحيوان غير الناطق ، فإذا حصلت هذه في الإنسان قدر بها أن يسعى نحو السعادة ، وأن لا يسعى ، وبها يقدر أن يفعل الخير وأن يفعل الشر والجميل والقبيح .

--> ( 1 ) حدها في آراء أهل المدينة الفاضلة بأنها نزوع إلى الشيء أو عنه . وهذا النزوع أو الشوق أو الميل متسبب إما عن الإحساس وإما عن المتخيلة وإما عن العقل . فيكون عندنا ثلاثة أنواع من الإرادة . والنوع الأخير يدعى الاختيار .